صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة ؟

صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة ؟

القيادات هم الكنز والمورد الاستراتيجي للأمم والذي لا يقدر بثمن. هم أصحاب الفعل والمبادرة والريادة في كل عمل تنموي ونهضوي.
وإدراكاً لهذه الحقيقة اهتم العلماء والفلاسفة منذ القدم بدراسة الظاهرة القيادية واجتهدوا لتفسيرها وحلحلة عناصرها ومكوناتها ،للوصول الى طريق يمكن من خلاله صناعة المزيد من القيادات، لذا تأسست مراكز أبحاث القيادة في معظم دول العالم ومراكز وأكاديميات صناعة القادة تتفاوت عراقتها وجودة مخرجاتها من دولة لأخرى.

هل يمكن صناعة القادة ؟ :

او بعبارة أخرى هل يصنع القادة أم يولدون ؟ ، سؤال قديم يتجدد وقف أمامه الفلاسفة وعلماء  الإدارة طويلا وتباينت آراؤهم حوله فهذا “د.بينيز ” أحد جهابذة علوم القيادة  يقول: ( إن القيادة شخصية وحكمة وهذان أمران لايمكن اكتسابهما).

غير أن رائد علم الإدارة الحديث “بيتر داركر الذي مارس التدرب على الإدارة أكثر من خمسين عاماً يخالفه الرأي ويقول : (القيادة يمكن تعلمها ويجب تعلمها).

ويوافقه الرأي “وران بينيس” الذي ألف اكثر من 30 كتاباً عن القيادة ودرس زمنا في جامعة هارفارد وبوسطن وكان مستشارا لأربعة رؤساء أمريكيين حيث قال : (أخطر أسطوررة في علم القيادة هي أن القادة يولدون أو أن في المسألة عامل وراثي في الواقع هذا هراء ، العكس هو الصحيح؛ القادة يصنعون).

وهذا الرأي هو مادلت عليه الشواهد الواقعية والمواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيدته الأبحاث العلمية . حيث درس أكثر من 100 عالم الخبرات والأداء العالي في عدد كبير جدا من المجالات المتنوعة كالطب والفنون والهندسة والرياضة وغيرها وكانت النتيجة أن (الخبراء يصنعون ولا يولدون ) والقيادة هي أحد أهم تلك الخبرات. (البحث منشور في  The Cambridge Handbook of Expertise and Expert Performance, published by Cambridge University)

مكونات القيادة :

صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة ؟

القيادة تتكون من ثلاثة امورهي :

  1. علم
  2. مهارة
  3. سلوك
    والعلم والمهارة يمكن اكتسابهما بلا خلاف بين علماء الإدارة ولكن هل يمكن إكتساب السلوك وتعديله؟ فهذا هو محط الخلاف بين العلماء، فمن يعتقد أن السلوك فطري ولايمكن اكتسابه قال بأن القادة يولدون ولا يصنعون.

هل يمكن اكتساب السلوك؟

وللوقوف على الحقيقة ، نتأمل فكرة أن نصوص الشرائع والقوانين ؛ ترتب الثواب والعقاب على جوانب سلوكية ؛ مما يؤكد أن الانسان يملك حق اختيار السلوك الذي يسلكه؛ فلايمكن ان يثاب الانسان او يعاقب على شيء لا يملك تدبير وتغييره، ويدل عليه أيضا حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم)صحيح الجامع الصغير.
كما دلت النصوص على أن السلوك الإنساني نوعان، سلوك جُبل الانسان عليه وسلوك اكتسبه بالتعلم والممارسة ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأشج عبد قيس رضي الله عنه الذي ساد قومه بحلمه وحكمته حيث قال له عليه الصلاة والسلام : ( إن فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة) فقال الأشج : (يارسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟). فقال له عليه الصلاة والسلام : ( بل الله جبلك عليهما) . قال الأشج : (الحمدلله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله) سنن ابي داؤود.
فالأشج رضي الله عنه عرف ان السلوك نوعان سلوك يخلق الانسان به وسلوك يتطبع به حتى يكتسبه.

أصناف الناس من حيث اكتساب مهارات القيادة:

صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة ؟

لذا يمكننا تقسيم الناس في موضوع تعلم القيادة  الى ثلاثة أقسام :

  1. قسم يولدون بصفات قيادية فطرية والتدريب والتنمية تزيدهم عمقا ومهارة. وهم نوادر لا يتجاوزون 1%.
  2. قسم غير قابلين لتعلم القيادة واكتساب مهاراتها، إما لإصابتهم بأمراض نفسية، أو لوجود عوائق أخرى، وهم فئة قليلة ايضاً لاتتجاوز 1% ، ولعل منها حديث الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله عنه: (يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين على مال يتيم)رواه مسلم.
  3. قسم يولدون عاديين ولديهم القدرة على اكتساب الصفات القيادية بالتربية والتدريب ،  وهم الفئة الأكثر من القادة ويمثلون 98% من الناس.

من هنا تعمل كل مؤسسات اعداد القادة على المجموعة الثالثة؛ وتحاول التنقيب عن المجموعة الأولى .

برامج إعداد القادة تحت المجهر:

رغم أن المؤسسات الغربية بأنواعه الحكومية والخاصة قد خاضت غمار صناعة القادة منذ عشرات ان لم تكن مئات السنين؛ إلا أننا في عالمنا العربي تلقى هذه الفكرة الاهتمام اللائق بها حتى الآن، فكل التجارب العربية المعتبرة يشوبها الكثير من القصور الإداري والفني ويظهر ذلك من خلال تفحص المخرجات.
هذا فضلا عن وجود متطفلين على المجال يزعمون صناعة القادة عبر طبخات سريعة في أسبوع او أسبوعين !!

النموذج العملي المبسط لصناعة القادة :

صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة ؟

وكي أوضح ذلك ؛ دعنا نتأمل معا ابسط نموذج لإعداد القادة وهو يقوم على ثلاثة  مراحل :

  1. المرحلة الأولى من انسان عادي الى انسان فاعل ومبادر.
  2. المرحلة الثانية من إنسان فاعل ومبادر الى قائد.
  3.      المرحلة الثالثة من قائد الى قائد أخلاقي.

لنفترض أن أنشطة الاستيعاب لبرامج اعداد القادة توصلت الى الحصول على الانسان الفعال، كم نحتاج من الوقت لنكسبه مهارات القيادة والقيادة الأخلاقية ؟. هل تكفي أسبوعين لاكتساب  مهارة ؟ بالطبع لاتكفي ؛ ويمكن اعتبارها مرحلة معرفية او تثقيفية.

 ذلك أن بناء المهارات القيادية يحتاج مراحل تتضمن سلسلة طويلة من مهارات التفكير والتحليل والاتصال والتحفيز  والتعامل مع الأنماط الإنسانية المختلفة، مع وضع المتدرب في موقع التجربة والفعل تحت إشراف المدربين؛ ثم افادتهم بالتقويم السليم والتغذية الراجعة لتصرفاتهم وردود افعالهم في كل المواقف التعليمية والتدريبية .

هل يمكن أن اصنع من نفسي قائداً؟

صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة ؟

بالطبع نعم فقد اتفقنا أن القادة يصنعون؟، لكن مهلا ياصديقي الأمر ليس بالسهولة التي تعتقدها الأمر يتطلب منك أن تتحدى قدراتك ؛ وتعمل بجد على بناء ذاتك وتكوين خبراتك، ويتطلب تضحية بالراحة؛ والتخلي عن الكثير من المتع التي يتمتع بها اقرانك ومن حولك ، إن كنت مستعدا لدفع الثمن تابع معي الى الفقرة التالية .

    الامر ياصديقي يتعلق بأن تقييم مهاراتك الحالية بالمقارنة مع المهارات القيادية المطلوبة، وسبيلك الى ذلك في الخطوات الآتية :

صناعة القادة : طبخة خفيفة أم تركيبة معقدة
  1. خذ إحدى الأبحاث التي تتحدث على الصفات القيادية النموذجية (وارشح لك بحث كوزيس وبوسنر – في كتابهما القيادة تحد) وخذ الصفات الخمس وهي :
  2. تجسيد القدوة
  3. الهام الرؤية
  4. المبادرة وتحدي طرق العمل.
  5. تمكين الآخرين
  6. تحفيز من حولك

واعمل تقييم ذاتي لنفسك لتحدد موقعك من تلك الصفات والمهارات.

  • حلل مكونات لتلك الصفات واسأل نفسك امام كل صفة او مكون : كيف يمكن اكتسابها؟ هل بالقراءة ؛ ام بالممارسة ؛ ام بالتدريب ؟
  • ضع خطة عملية وكن صادقاً صارما في الالتزام بها؛ حتى تكتسب  ماتحتاجه من تلك الصفات ، ولاتنس ان تضع اطار زمني لذلك ولا تتركها مفتوحة فإنها لن تنتهي.
  • قيم نفسك باستمرار واطلب من الآخرين تقييم مهاراتك واعمل على تطوير جوانب النقص والقصور باستمرار فهذه الخطوة تعبر دائمة مهما بلغت من مكانة في سلم القيادة .

كما يبدو لك فالأمر يحتاج لالتزام شخصي وإرادة، إذ لو كانت القيادة سهلة المنال لوجدنا المئات من القادة يبرزون يومياً ولكن :

لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والاقدام قتال

وليس كل الناس مستعد لتحمل مستوى عال من المشاق في بناء أنفسهم .

من هنا نخلص الى أن بناء القادة عملية معقدة وشاقة تحتاج لمنهجية سليمة؛ واشراف علمي متخصص، يركز على الجوانب المعرفية جنبا الى جنب مع الجوانب العملية والتطبيقية. وبإمكان الفرد بناء ذاته قيادياً إذا تملك العزيمة  والالتزام الكافي لتحقيق

بعض صور المقال من موقع freepik

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *