أثر أزمة كورونا على العمل الخيري

ماهو الأثر الإقتصادي لأزمة كورونا على العمل الخيري؟

الحديث عن الأثر الإقتصادي لأزمة كورونا على العمل الخيري، حديث هام آن أونه، خصوصا وأن ما يخص تأثر القطاعات الاقتصادية بمختلف أنواعها  قد اشبعه الباحثون والمحللون، وبالمقابل لم يحظى العمل الخيري بقراءة استشرافية لمستقبل تأثير أزمة كورونا الحالي عليه.

الأبحاث حول تأثير كورونا اقتصاديا على العمل الخيري

وقد طفت عددا من المواقع الاقتصادية الكبرى؛ والصفحات الاقتصادية في المواقع الإخبارية الشهيرة بحثا عن تحليل أو مقال؛ يتحدث عن أثر الأزمة الاقتصادية الحالية الناتجة عن وباء كورونا على العمل الخيري، لم اجد شيئا يعتد به، في الوقت الذي أشبعت الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 2008م بحثا من حيث تأثيرها على العمل الخيري في عدد من الدول خصوصا بريطانيا وأمريكا.

 لهذا سأقدم لك عزيزي القارئ مقاربات استشرافية في هذا المقال بالاعتماد على تلك الأبحاث، لعلي افتح الباب لبحوث اعمق واشمل للموضوع.

العمل الخيري وازمة كورونا

الركود الاقتصادي القادم

لاشك أن أثر أزمة كورونا الحالية على الاقتصاد مرتبط بمدى استمراراها، لكن ساركز الحديث على اثرها حتى الآن وإحتمالات امتداده إلى المدى القريب وتوقعات الاقتصاديين للمستقبل.

يرى الاقتصادي في جامعة هارفرد  كينيث روجوف المتخصص في تاريخ الازمات المالية أن الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم عام 2008م تمثل تجربة مخففة للازمة الاقتصادية القادمة الناتجة عن أزمة كورونا، التي يتنبأ روجروف أنها ستكون أسوأ  أزمة اقتصادية منذ (100عام).

ونقل المحلل الاقتصادي في صحيفة نيويورك تايمز بيتر س. جودمان وجهة نظر أخرى متفائلة ترى أن الركود سيكون مزعجا ومؤلما لفترة قصيرة يعقبها تعاف شامل للاقتصاد وعودة الناس لأعمالهم ومصانعهم وترميم ما دمره الركود.

وتشير التوقعات لتغيير كبير في الخارطة الاقتصادية العالمية، يتبعها بالطبع تغيير في موازين القوى. وفقا لشركة TS Lombard للأبحاث التي تنبأت بركود طويل للاقتصاد الأمريكي وصعود اقتصاديات أخرى مثل الصين وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والبرازيل والأرجنتين والمكسيك.

وتكاد تجمع كل المصادر على الاهتمام سينصب في المستقبل على الضروريات من الغذاء والدواء والصناعات المرتبطة بها، لذا ستكون هذه القطاعات هي الأولى التي تتعافى من أثر الأزمة.

أثر الركود الاقتصادي على العمل الخيري

إقرأ أيضا: ما الذي يحرك الناس؟ وكيف نفهم سيكولوجيا الجماهير؟ “غوستاف لوبون” يجيبك

استشراف أثر الركود على العمل الخيري عموما

لاشك أن هذا الركود سيكون تأثيره عميقا على العمل الخيري كونه في الغالب يعتمد على التبرعات من تلك المؤسسات الاقتصادية وملاكها الموسرين. غير أن ذلك التأثير ربما لايكون شاملا، فبالمقارنة مع الأزمة الاقتصادية لعام 2008م وحسب الدراسة البحثية ” charitable giving in the UK ” التي قام بها المجلس القومي للمنظمات التطوعية ومؤسسة المعونة الخيرية في بريطانيا حيث درست اثر الركود الاقتصادي الذي حدث عام 2008م على العمل الخيري في بريطانيا، نجد هناك مفارقات حيث الأثر لا يبدو مأساويا للغاية، فقد انخفض حجم التبرع على العمل الخيري في بريطانيا بنسبة 11%، وفي أمريكا بلغت نسبة الانخفاض في التبرع للعمل الخيري 6.3%، وعلى النقيض فقد ارتفعت نسبة التبرعات في كندا إلى 12%!.

كما أشارت الدراسة أعلاه إلى ان نسبة المتبرعين البالغين في بريطانيا بعد الركود بقي مرتفعا حيث بلغ اكثر من نصف عدد السكان (54%).

ولعل ذلك يعود إلى كون التبرع وفعل الخير يعتبر جزء أساسي في حياة كثير من الناس وخصوصا المتدينين منهم، والمسلمين على وجه أخص كونه مرتبط بركن من أركان الإسلام وهو الزكاة، بل أشارت الدراسة إلى أن كثيرا من الأشخاص لديه الاستعداد للتخلي عن الكماليات والترفيه؛ ولكن لا يتخلى عن تقديم التبرعات للآخرين، والدراسة تتحدث عن مجتمعات غير مسلمة فما بالك بالمسلمين؟.

ولا يعني ذلك بحال أن الأثر الاقتصادي على المؤسسات الخيرية سيكون طفيفاً، فالأمر اكثر تعقيدا من أن يؤخذ بهذه البساطة، فالتوقعات تتحدث عن ركود وكساد ربما يمتد لأشهر أو سنوات لاقدّر الله.

إقرأ أيضا : كيف نواجه كورونا الإداري؟

أثر الركود حسب المجالات الخيرية

وبحسب الدراسة أعلاه يختلف أثر الركود بين مجالات العمل الخيري المختلفة فيبدو بالطبع أن مجالات الفنون والبيئة هو الأكثر تأثرا. وكان التأثير شبه متوسط على مجالات التعليم والايواء، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، أما مجالات البحث الطبي والرعاية الاجتماعية تبدو اقل تأثرا.

وتشير الدراسة عموما إلى أن القطاع الخيري اسرع في التعافي من اثر الركود، كما ذكرت أمرا هاما يجب التنبه له وهو أن تبذل المؤسسات الخيرية قصارى جهودها في مرحلة الركود على التواصل الشخصي مع المتبرعين للحفاظ عليهم، وما بعد الركود تواصل نشاطها في جمع التبرعات منهم ومن غيرهم بجهد مضاعف.

مخطط يوضح تأثر مجالات العمل الخيري بالازمة الاقتصادية عام 2008
مخطط يوضح تأثر مجالات العمل الخيري بالأزمة الاقتصادية عام 2008م ، المصدر: charitable giving in the UK

عوامل ومؤشرات تأثر مؤسستك الخيرية بالأزمة

الركود القادم سيؤثر بعمق بالتأكيد على القطاع الخيري لكن أتوقع أن التأثير سيكون متفاوتا على تلك المؤسسات، في تقديري الشخصي حسب العوامل الآتية:

  1. مجال عمل المؤسسة، فالمجال الاجتماعي والصحي سيتأثر بدرجة اقل ويستعد عافيته بصورة اسرع لارتباطه بحياة الناس. وربما يكون التأثر متوسطا على المجالات المرتبطة بالشعائر الدينية مثل التحفيظ كونها ذات ارتباط ديني وقيمي عميق، وكذلك الأمر بالنسبة للمجالات المرتبطة بذوي الاحتياجات الخاصة، أما المجالات التعليمية فسيكون الأثر فيها عميقا للأسف كونها تأتي في مرتبة أقل من المجالات السابقة في مصفوفة اهتمامات المتبرعين غالبا.
  2. القدرة المالية للمؤسسة الخيرية، فالمؤسسات التي كانت تستثمر أموالها في قطاعات حيوية سيكون تأثرها أقل، وقريب منها تلك المؤسسات المرتبطة بالأسهم الوقفية في القطاعات التي لم تتأثر كثيرا بالركود.
  3. القدرة على المرونة والتجديد لدى طاقم العمل بالمؤسسة الخيرية، فالمؤسسات التي تريد أن تتعامل مع العمل الخيري بأدوات ما قبل كورونا ستكون خسارتها كبيرة للأسف، فما بعد كورونا لن يكون مثل ما قبلها بالطبع.
  4. حجم الشراكات والعلاقات التي تتمتع بها المؤسسة ومدى اثرها وحضورها  في مجالها.

إقرأ أيضا: كيف تقضي وقت الحجر المنزلي ؟

كيف يمكن مواجهة آثار كورونا على العمل الخيري

رغم أن التنبؤ بحقيقة الواقع الذي ستعيشه المؤسسات الخيرية فيما بعد كورونا يعد أمرا بالغ التعقيد لاختلاف العوامل المؤثرة عليها غير انه يبقى من الواجب على قيادات تلك المؤسسات الاستعداد المبكر للأسوأ، واتخاذ مصفوفة إجراءات وقائية وتصحيحية، واقترح منها الآتي:

  1. عقد جلسات دورية لتقييم الموقف المالي للمؤسسة وتوقعات التأثر بالأزمة.
  2. رسم مخطط السيناريوهات المتوقعة لمآلات التأثر المتوقعة والإجراءات المطلوبة لكل سيناريو.
  3. عمل عصف ذهني لجمع أفكار لتقليل الأثر المتوقع للركود الاقتصادي على الأنشطة الخيرية للمؤسسة.
  4. الاستمرار في التواصل مع المانحين والداعمين، وعدم الانقطاع عنهم بحال.
  5. دراسة القدر المتاح من المرونة في تشكيل وتطوير وإعادة تصميم الأنشطة الخيرية للمؤسسة بما يتلاءم مع احتياجات الفئة المستفيدة بعد كورونا.

أودع الله تعالى في العمل الخيري بركة خاصة، لارتباطه بحاجات الفقراء والضعفاء، وعلى قدر الإخلاص لله فيه يكون التوفيق، وعلى قدر الاجتهاد فيه يأتي النجاح ويتم تجاوز العقبات. والوقاية الناجحة المسبقة من الركود القادم هي التي لا تغفل عن هذه الجوانب.

إذا اعجبك المقال لاتنس تنقر زر الاعجاب … وتتحفني بتعليقك ورأيك فيما قرأت أدناه

6+

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *