بناء الذات

توفي والده وتوفيت والدته … لازال صغير السن… انتقل إلى بيت عمه… ما هي إلا شهرين أو ثلاثة حتى ضاق به عمه فقال له: لا أستطيع أن أتحمل نفقتك!! ابحث لك عن مكان آخر تعيش فيه.

رد الولد: أين اذهب لا أعرف أحدا سواك يا عمي ؟!

أجابه: المهم أنى لا أطيق وجودك عندي.. اذهب إلى أي مكان آخر… اذهب إلى الشارع !

خرج من بيت عمه يجر قدميه جرا … لا يدري أين تتجه به خطواته حتى استقر بجوار صندوق النفايات في أحد الشوارع .. فكان يقتات على نفايات الطعام التي يلقيها الناس وينام على الرصيف.. ولشغفه الشديد بالقراءة كان يبحث عن قصاصات الصحف التي تلف بها بقايا الطعام فيأخذها ويقرأها بنهم شديد.. كان يحز في نفسه أنه لا يستطيع قراءة بعض المقالات لأن بقع الطعام والدهون تطمس بعض الحروف أو لأن الورقة ممزقة… فكر… وفكر بعمق فقال: لم لا أكون أحد هؤلاء الذين يكتبون في هذه الصحف؟! لكن أين المؤهلات.. أين الظروف المواتية؟!! لكنه أصر على تحقيق حلمه؛ فانطلق يطوف بدور النشر في هذه المدينة المترامية الأطراف لعله يجد فيها فرصة عمل، أي عمل، وكم كانت فرحته عندما حصل على وظيفة بسيطة في أحد دور النشر.. وظيفة عامل نظافة… الآن أستطيع قراءة الصحف كاملة دون بقع الزيت ! هكذا تمتم صاحبنا يوما.. بينما كان واقفا يكتب خواطره ومذكراته إذا بشخص يرتطم به حتى سقط دفتر الخواطر من يده… مد الرجل يده وأخذ الدفتر من الأرض… أنا آسف !

لكن اخبرني من أنت؟! .. فأنا مدير هذه الصحيفة؟! .. آه إنها الفرصة ! هكذا تمتم صاحبنا ثم أجابه أنا موظف جديد.. عامل النظافة.. وهذا الدفتر الذي بيدك هو سجل خواطري وأفكاري بإمكانك قراءته. اصطحبه المدير معه إلى مكتبه .. جلسا طويلا.. اندهش المدير وأعجب بخواطره وسلامة تعبيره. فقال: من الآن لن تكون عامل نظافة أنت أحد الكتاب في صحيفتنا .. يا الله إنها خطوة جبارة نحو الهدف… وهكذا أثبت وجوده بكتاباته الرصينة والواقعية؛ وتدرج شيئا فشيئا حتى صار مديرا للصحيفة ثم مديرا لدار النشر ثم مالك لهذه الدار ثم مالكا لأكبر مجموعة صحف لبنانية…

هذه القصة سمعتها من أحد الدعاة … وهي مثال واضح أن بإمكاننا تحقيق أهدافنا العظيمة ولو من الصغر.. لكن يتطلب هذه ثلاثة أمور أساسية :

هدف تسعى لتحقيقه.

خطة واضحة لتحقيق الهدف.

إصرار على النجاح .

المتعذر بعدم وجود الفرص أو عدم وجود الظروف المهيأة أو الواقع أو المجتمع.. هذه أمور أكثرها وهمية ولاوجود لها إلا في أوهامنا غالبا .

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *